أذكر جيدًا، أني منذ أكثر من عقد، كتبتُ في تعريف لبشارة الخوري في إحدى مسابقات التاريخ، أنه رئيس جمهورية لبنان، وأنه حكم ما بين عامَي 1943 و1949... وكان الخطأ الذي ارتكبتُه ناتجًا من تحليلي البريء، الذي افترض أن ولاية أول رئيس لجمهورية لبنان بعد الاستقلال تمتد حكمًا لستِّ سنوات، لا أكثر.
إلا أن هذا الخطأ هو ذو دلالة مهمة، فكيف لي أن أعرف عن تزوير الـ 1947، وعن تجديد الـ 1949، وعن ثورة الـ 1958، وعن ظروف مجيء كميل شمعون إلى الرئاسة؟ ببساطة، ما كان ذلك ممكنًا عن طريق كتاب التاريخ المدرسي، فالتاريخ فيه يتوقف عند العام 1946، يوم غادرَنا الفرنسيون "برائحة طيبة".
هل يتوقف تدريس التاريخ عند هذه المرحلة لأسباب بريئة؟ ألا ترفض الذاكرة اللبنانيين العودة إلى تلك المرحلة؟ أليس لأن اللبنانيين غيرُ متفقين على مفهوم الاستقلال؟
هل استقلال لبنان هو استقلال عن تركيا؟ ربما هذا هو الأمر الوحيد الذي يتفق عليه اللبنانيون، ولعل كون عيد الشهداء في السادس من أيار مقدسًا، هو أحد الشواهد على هذا الموضوع، فيما الأعياد الأخرى وجهة نظر.
هل استقلال لبنان هو استقلال عن "العرب"؟ كان هذا الاستقلال بعض ما تمّ التعبير عنه في ميثاق الـ 1943، بجعل لبنان ذا وجه عربي، تعبير فارغ، يدل على مبدأ "التسوية" الذي يقوم عليه "الوطن". والدليل عودة عبارة عروبة لبنان إلى الدستور، في اتفاق الطائف، الذي فجر حقدًا استمر خمسة عقود، وانتقم عبر نقل الصلاحيات، أو ما سمّي إصلاحًا.
هل استقلال لبنان هو استقلال عن فرنسا؟ هذا ما يعبر عنه عيد الاستقلال الرسمي، ولعل أسبابه تعود إلى كون اللبنانيين وجدوا في ما سمّي الميثاق الوطني، صيغة تثبّت اللاانتماء إلى لبنان، صيغة أجّلت الانفجار، وهمّشت الخارجين عنه، صيغة وفّقت بين المتغربين، والمتعربين.
هل استقلال لبنان هو استقلال عن عبد الناصر؟ كلنا، أو من حاول منا التعرف إلى التاريخ من خارج الكتب المدرسية، يعرف كيف انتهت ولاية الرئيس شمعون، كيف قامت الحرب ما بين "العروبيين" من جهة، والحلف الوقتي الذي قام ما بين "المتطرفين المسيحيين"، و"اللبنانيين"، و"السوريين" من جهة أخرى؛ حلف ما لبث أن انفرط حين تحول الصراع إلى صراع ما بين "الوطنيين" و"اللبنانيين".
هل استقلالنا هو استقلال عن منظمة التحرير؟ هذا ما عبرت عنه بعض أحداث حرب الـ 1975، وما زال يعبر عنه الكره من فئة واسعة من اللبنانيين، تجاه الشعب الفلسطيني.
هل استقلال لبنان هو استقلال عن سوريا (أو سورية)؟ هذا ما عانيناه منذ اتفاق الطائف، القائم على صفقة سورية أمريكية سعودية، اتفاق ما زلنا نعاني مفاعيله حتى اليوم، فالانقسام القائم اليوم لا يعدو كونه انقسام ما بين "أعداء العلويين البعثيين في سورية" من جهة، و"أعداء الوهابيين في السعودية والإمبرياليين في الولايات المتحدة"، من جهة أخرى. ولا تعود التسمية في ما سبق إلي، بل إلى أطراف الصراع في "لبنان"، كل يطلق التسمية التي تَصِمُ خصمَه.
وبعد أن كنّا ننتظر عرفات، ثم عبد الناصر، والأسد، ولا أعرف من.. لتعيين رئيس ووزير وموظف، بتنا ننتظر الأمريكي والسوري والإيراني والفرنسي والـ... لا أعرف.. نحن ننتظر الإشارات الإقليمية لنشكل حكومة، وننتقل من عاصمة إلى أخرى، ولا تنقصنا الوقاحة لنعترف بذلك، ولا ينقصنا الخنوع للاعتراف بأن ذلك "طبيعي".. هذا هو استقلالنا.
وما زلنا، حتى اليوم، نتغنى بالتركيبة اللبنانية الفريدة، ونتغنى بشجر الأرز، وكأننا نحن من أنتج الأرز، وكأن هذه التركيبة تتعايش بسلام. وما تركيبتنا إلا مزيج من المصالح الغربية والشرقية، الشمالية والجنوبية؛ وجدت لها في الأرض اللبنانية أرضًا خصبة لتنفيس صراعاتها.
وما زلنا حتى اليوم نتغنى بأن عدد اللبنانيين المغتربين يفوق اللبنانيين على أرض لبنان، ألا يدل ذلك أن لبنان هو مجرد ممرّ لمن يعيش على أرضه، ممر من الشرق إلى الغرب، من الجنوب إلى الشمال.. حين نتغنى بالانتشار اللبناني، نكون قد أغفلنا أن هذا الانتشار هو دليل على اللاانتماء إلى لبنان.. وهذا دليل آخر على اللاستقلال.. على استقلال اللبنانيين عن.. لبنان!